الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى

563

المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

وإن قلنا إن المراد بها القرآن فهو استدلال بمعجزته - صلى اللّه عليه وسلم - على صدقه وبراءته ، وأنه ما ضل ولا غوى ، وإن قلنا إن المراد النبات ، فالنبات به نبات القوى الجسمانية وصلاحها ، والقوى العقلية أولى بالصلاح ، وذلك بالرسل وإيضاح السبل . وتأمل كيف قال تعالى : ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ « 1 » ولم يقل : ما ضل محمد ، تأكيدا لإقامة الحجة عليهم بأنه صاحبهم ، وهم أعلم الخلق به وبحاله وأقواله وأعماله ، وأنهم لا يعرفونه بكذب ولا غى ولا ضلال ، ولا ينقمون عليه أمرا واحدا قط ، وقد نبه تعالى على هذا المعنى بقوله عز وجل : أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ « 2 » . ثم نزه نطق رسوله - صلى اللّه عليه وسلم - أن يصدر عن هوى فقال تعالى : وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى ( 3 ) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 3 » ولم يقل : وما ينطق بالهوى ، لأن نفى نطقه عن الهوى أبلغ ، فإنه يتضمن أن نطقه لا يصدر عن هوى ، وإذا لم يصدر عن هوى فكيف ينطق به ، فيتضمن هو الأمرين : نفى الهوى عن مصدر النطق ، ونفيه عن النطق نفسه ، فنطقه بالحق ومصدره الهدى والرشاد ، لا الغى والضلال . ثم قال تعالى : إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى « 4 » فأعاد الضمير على المصدر المفهوم من الفعل ، أي : ما نطقه إلا وحى يوحى ، وهذا أحسن من جعل الضمير عائدا إلى القرآن ، فإن نطقه بالقرآن والسنة ، وإن كليهما وحى ، قال اللّه تعالى : وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ « 5 » وهما القرآن والسنة . وذكر الأوزاعي عن حسان بن عطية قال : كان جبريل ينزل على رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - بالسنة كما ينزل عليه بالقرآن يعلمه إياها . ثم أخبر تعالى في وصف من علمه الوحي والقرآن بما يعلم أنه مضاد لأوصاف الشيطان معلم الضلال والغواية فقال : عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى « 6 »

--> ( 1 ) سورة النجم : 2 . ( 2 ) سورة المؤمنون : 69 . ( 3 ) سورة النجم : 3 ، 4 . ( 4 ) سورة النجم : 4 . ( 5 ) سورة النساء : 113 . ( 6 ) سورة النجم : 5 .